الشيخ محمد آصف المحسني

69

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وشرب الخمر ، وأكل الدم والميتة ، ثقافتهم الشعر والكهانة ، بل آل الأمر إلى أنّ بعض طوائفهم يقتلون أولادهم خشية الإنفاق ، ويئدون البنات . كانت الجهالة والضلالة المتراكمة مظلّلة على أفق أفكارهم وعقولهم ، ولم يكن للمعرفة والثقافة منفذ فيهم ، بل أحاطتهم الأوهام والخرافات من أطرافهم ، فإنّ النصرانية بتثليثها كانت منبثّة في الروم ، والحبشة ، والمجوسية بشركها في إيران . والوثنية بتنويعها في الهند ومصر . والتهوّد في أرضهم من اليهود . وهم في موطنهم يعبدون الأصنام المصنوعة من الأحجار والخشب ونحوهما بحسبان أنّها تقرّبهم إلى الله زلفى . وهذه الفضائح - أو أكثرها - قد أعلنها القرآن المجيد تعييراً لهم ومنّاً لله تعالى عليهم بأنجاتهم وانقاذهم منها ، ولم يقم أحد منهم لتكذيبه وإنكاره ، بل سكتوا ولكن حاربوا النبي ( ع ) بنفوسهم وأولادهم وأموالهم ، فيعلم من ذلك أنّ أخبار القرآن بتلك حقّ لا محالة . ومع الغض عن ذلك نقول : من المقطوع به المتواتر ، أنّ أهل الحجار قبل قيام النبي الأكرم ( ص ) كانوا في غاية الضلالة والجهالة ، ولا يشمّ من بيئتهم رائحة الثقافة والمعرفة والكمال والأخلاق ، وهذا ممّا لا يمكنه التشكيك أصلًا . الفصل الثاني : أنّه ( ص ) ما تعلّم في حياته أصلًا ولا بدّ أن يكون كذلك ؛ لأنّ وضع بلده يقتضي ذلك ، والقرآن يذكره أيضاً : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ أي قبل إنزال الكتاب مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ « 1 » ويقول أيضاً : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 2 » ولا يحتمل اختلاق هذه الدعوى ؛ لأن الآيتين نزلتا بمكّة المكرّمة بمحضر من كفّار قريش وأعداء النبي ( ص ) فلو لم يكن مضمونهما حقّاً لجعلوه ذريعة إلى تكذيبه ، بل لتنفر منه أصحابه لظهور كذبه عندهم ؛ فيفهم من ذلك - قطعياً - أنّه كان أميّاً لا يعلم شيئاً كسائر معاصريه وأهالي بلده . نعم ، هناك أعداء الإسلام من المبشّرين بالمسيحيّة وغيرهم أخذوا يندّدون بالإسلام ويشكّكون فيه خوفاً من تسرّبه إليهم ؛ ولذا يقول بعضهم : إنّ النبي محمّد ( ص ) تعلّم القصص من سلمان الفارسي رضي الله عنه ولكن خفي عليه أنّ سلمان لحق النبي بالمدينة ، والقرآن نزل جملة منه - بمكّة ! ! وفيها من القصص والمعارف ما لا يخفى .

--> ( 1 ) - العنكبوت 29 / 47 . ( 2 ) - يونس 10 / 16 .